محمد أبو زهرة

3454

زهرة التفاسير

مقدم ما وعدكم ، وأكد سبحانه وتعالى وعده وعهده ، فقال : وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ هذا استفهام إنكاري بمعنى نفى الوقوع ، والمعنى لا أحد أوفى بعهده من الله ، وجاء النفي على صيغة الاستفهام للتثبيت ، وتأكيد النفي وتوثيق العهد ، وسماه اللّه تعالى عهدا ، لبيان قوته ، وكان فيه طرفان ، واللّه أعلى وأجل ، وإذا كان الوفاء محققا لوعد اللّه تعالى بالوفاء . وقد أكد اللّه وعده بأمور ثلاثة : أولها : أنه حق ثابت مؤكد لا يمكن أن يتخلف أبدا ، وكيف يتخلف ، وهو من اللّه العزيز الحكيم . ثانيها : أنه ذكر أن الجهاد ثابت ما دام هناك حق يغالب باطلا ، وأن اللّه تعالى وعد المجاهدين بالنصر ، وأن جهادكم مذكور في التوراة والإنجيل والقرآن كما قال تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 157 ) [ الأعراف ] . وهذا النص يدل على أن الجهاد واجب ؛ لأنه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ويدل على أن الذين آمنوا عليهم أن يعزروه ويؤازروه وينصروه ، ولأن الجهاد من اتباع النور الذي جاء به . ولقد قال في سورة الفتح في وصف المجاهدين المؤمنين : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ( 29 ) .